صديق الحسيني القنوجي البخاري

31

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام

أن يعطيها ويسلم نفسه للقصاص ، كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك . وذهب من عداه إلى أنه لا يخير إلا إذا رضي الأولياء بالدية ، فلا خيار للقاتل وليتبع بالمعروف . وقيل : إن المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شئ من الديات ، فيكون عفي بمعنى فضل . وعلى جميع التقادير فتنكير شَيْءٌ للتقليل فيتناول العفو عن الشيء اليسير من الدية والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة . أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا ، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم . فنزلت هذه الآية . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي نحوه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في « سننه » عن ابن عباس قال : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فأنزل اللّه تعالى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ « 1 » فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس ، وجعل العبيد مستوين في العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال : كان بين حيين من الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطول فكأنهم طلبوا الفضل فجاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليصلح بينهم فنزلت هذه الآية الْحُرُّ بِالْحُرِّ « 2 » قال ابن عباس : فنسختها النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم - وصححه - والبيهقي في « سننه » عن ابن عباس : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ قال : هو العمد رضي أهله بالعفو فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أمر به الطالب ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ من القاتل ، قال : يؤدي المطلوب بإحسان « 3 » ،

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري [ 2 / 108 - 109 ] . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في التفسير [ 2 / 109 ] ح [ 2572 ] . ( 3 ) أخرجه الطبري في التفسير [ 2 / 112 ] ح [ 2581 ] والحاكم في المستدرك [ 2 / 273 ] وصححه والبيهقي في السنن الكبرى [ 8 / 52 ] .